السيد محمد تقي المدرسي

34

مقاصد السور في القرآن الكريم

ولكن الإنسان يملك - بإذن ربه - ميزة أساسية بين الخلائق ، وهي أنه سيدها الذي سخرها الله له ، ولذلك فهو يحمد ربه . وإذا أراد الإنسان أن يكرس في ذاته صفة السيادة على الكون ، فليس عليه سوى المزيد من الارتباط بربه الذي سخر الكون لأمره . معرفة اللَّه إن معرفة الطبيعة من دون إله لها يعني أن المادة بلا روح ، وبلا قيم ، وبلا نظام . ومعرفة الله بعيداً عن الطبيعة يعني البحث في فراغ ، في التجريد ، في اللاشيء . وسواء كانت هذه أو تلك فهي تنتهي بالإنسان إلى اللامسؤولية واللاإلتزام ، وبالتالي إلى اللاوعي . إنّ المادي الذي يختصر حياته في الأشياء ، ولا ينظر عبر المادة إلى ما ورائها من هيمنة الله ، وقيامه وملكه وسلطانه ، إنه لا يشعر بالتزام تجاه المادة ، لأن المادة لا حياة لها ولا عزة لها ولا حكمة . فالمادة لا تراقبه ، ولا تحاسبه ، ولا تجازيه ، بل لا يشعر بها ، فلذلك فهو ينفلت عن التقيد بالمسؤوليات . وكذلك الصوفي الذي يؤمن بالألفاظ ، والكلمات ، والخلسات ، والهمسات ، ولا يؤمن بإله الحياة والنظام ، والتدبير ، والملك ، الحساب والعقاب ، إنه لا يؤمن بالطبيعة كمظهر سامٍ من مظاهر الحياة التي وهبها الله ، والنظام الذي قام عليه وأجراه سبحانه ، وبالتالي لا يؤمن بالطبيعة كاسم من أسماء الله سبحانه . إن هذا الصوفي هو الآخر لا يشعر بمسؤولية أمام الحياة التي فصلها عن الله . والحقيقة في معرفة المادة والروح هي الإيمان بواقع الطبيعة ، وبحقيقة القيم التي تهيمن عليها ، والاعتقاد بوجود الطبيعة المدبَّرة بسلطان ربها ، وبالتالي الاهتداء إلى الله عبر أسمائه وآياته المنتشرة في رحاب الطبيعة . إن القرآن باعتباره كتاب الله الذي لا ريب فيه يتحدث إلينا عن الطبيعة باعتبارها جسراً يسير عبرها الفكر إلى معرفة الله ، وباعتبارها مظهراً سامياً لأسماء الله وآياته ، وباعتبارها أداةً للإنسان لاكتشاف نفسه ، والاهتداء إلى ربه ، والتكامل حتى يكون إلى الله المنتهى . فعليك - أيها الإنسان - أن تنظر إلى السماوات ، ولا تجلس في غرفة مظلمة تبحث